محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

455

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . قال الفرّاء والكسائي والواقدي : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ؛ والعرب « 1 » قد تستعمل لفظ القلّة في موضع النفي فتقول : قلّ ما رأيت مثلك من الرجال ؛ وحكى الفرّاء عن الكسائي : مررنا بأرض قلّ ما تنبت الكراث والبصل ، أي لا تنبت شيئا من ذلك ؛ والآية على هذا القول خاصّة في من علم أنّهم لا يؤمنون . وقال أبو عبيدة : لا يؤمنون إلّا بقليل ممّا بأيديهم ويكفرون بأكثره ؛ وانتصب قليلا على هذا القول بنزع الخافض وما مثله ، وتقديره فبقليل يؤمنون . قال قتادة : فقليل منهم من يؤمن ، وما على هذا القول مثله وانتصب قليلا على الحال ، تقديره يؤمنون قليلا كعبد اللّه بن سلّام ؛ وقيل : تقديره فقليلا إيمانهم . قال ابن بحر : القليل في هذا الموضع وإن كان واقعا على الزمان وكان النصب فيه على الظرف فحقيقة المعنى في القلّة ترجع إلى عدد المؤمنين ، يدلّ عليه في نظير هذا : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . الأسرار قال الناظرون في آيات اللّه بعين الحقيقة : إنّ الناس قد اختلفوا في القدر في هذه الأمّة حسب اختلافهم في كلّ ملّة ؛ فمنهم من نسب الكفر والضلال والختم والطبع ( 198 ب ) والأكنّة والغلاف والغلف والحجاب إلى اللّه تعالى نسبة الإيمان والهداية والشرح والنور إليه على وتيرة واحدة ؛ وقد لزمهم على ذلك الجبر وتكليف ما لا يطاق ، والتناقض بين تكليف إفعل وبين الختم المانع من الفعل ؛ ومنهم من نسب ذلك كلّه إلى العبد واختياره واستطاعته ؛ فقطع النسبة إلى اللّه تعالى في الخير والشرّ والشرح والطبع من كلّ وجه ، بل المختار يفعل ما يفعل من خير وشرّ من غير أن يكون للّه تعالى فيهما صنع ؛ وما ينسب إليه من الخير فيحمل على تيسير الحال وتسهيل الأسباب وهو التوفيق ؛ وما ينسب إليه من الختم والطبع فعلى أحد الوجهين : إمّا على طريق المجازاة أو على سبيل التسمية ؛ ومن الناس من فرّق بين النسبتين ، ونسب الخير إليه دون الشرّ ، والكلّ على تقصير في هذه المسألة ؛ وإنّما ذلك لجهلهم بإجراء الحكمين وإثبات الكونين ، ولجهلهم بالعموم والخصوص وما يدخل في

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة والمعاني .